مساحة إِرا

مساحة صغيرة في شابكة عالمية

الكلاب السائبة

٢٢ كانون الأول، ٢٠٢٥

إن ما كشف عنه الإعلان الأخير لأمانة بغداد حول التخلص من أكثر من تسعة عشر ألف كلبٍ ضال في جنبات العاصمة خلال عام ٢٠٢٥، ليمثل رقمًا مهولًا يعكس انتكاسة أخلاقية وإخفاقًا استراتيجيًا ذريعًا في آليات الإدارة الحضرية. ورغم محاولات السلطات المحلية تسويغ هذه الحملات تحت دواعي السلامة العامة ودرء الأوبئة، فإن الارتكان إلى سلاح الإبادة الجماعية عبر القنص والتسميم يظل استجابة بدائية تفتقر إلى الحصافة في معالجة معضلة بالغة التعقيد.


وبعيدًا عن الجانب اللاإنساني الصارخ في هذه الممارسات، فإن عقودًا من التقصي العلمي والبحوث الدولية الصادرة عن منظمات أممية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية، قد قطعت بأن سياسة الإعدام الممنهج أداة عقيمة في ضبط التكاثر العددي، وذلك لأن إخلاء منطقة ما من الكلاب يعرف ب‍«الفراغ الأحيائي»، حيث تظل الموارد الغذائية والمآوي التي كانت تقتات عليها قائمة، مما يغري القطعان المجاورة بالهجرة إليها لملء ذلك الفراغ في غضون أشهر وجيزة، وغالبًا ما تجلب هذه المجموعات الوافدة أمراضًا جديدة وتتسم بمعدلات توالد مرتفعة نتيجة التنافس على الموارد المتاحة، مما يدخل المدينة في حلقة من القتل العبثي الذي لا ينفذُ إلى جوهر المشكلة.


وفي المقابل، يبرز بديل يتسم بالديمومة والرحمة، وهو نموذج TNVR (الإمساك، والتعقيم، والتلقيح، والإطلاق)، الذي بدأت بشائر نجاحه تلوح في مناطق أخرى في البلاد. ففي أربيل مثلًا، نحت السلطات منحىً حضاريًا بإيواء آلاف الحيوانات في ملاجئ تخصصية، حيث تخضعها لعمليات التلقيح والتعقيم قبل إعادتها إلى مناطقها. وتشير تقارير عام ٢٠٢٥ إلى جمع ما يربو على واحد وعشرين ألف كلب في أربيل، خضع الآلاف منها للتعقيم الجراحي. وتعمل هذه الحيوانات كدرع حيوي رصين، إذ أن الكلب الملقح والمعقم يحمي حماه ويمنع دخول كلاب غريبة قد تكون حاملة للسعار إلى الأحياء السكنية. إن هذا النهج كفيل بإحداث توازن سكاني مستقر على المدى البعيد، بدلًا من خلق دوامة مستمرة من الحيوانات الجديدة غير المحصنة.


علاوة على ذلك، فإن أي استراتيجية جادة لتقويض تضخم هذه الاعداد يجب أن تطال العوامل البيئية الحاضنة، إذ أن تشكل النفايات المتراكمة وتردي الإصحاح البيئي في أزقة بغداد معينًا غذائيًا لا ينضب للقطعان الضالة. لذا، فإن النهوض بمستوى إدارة النفايات وإحكام إغلاق الحاويات سيؤدي بصفة طبيعية إلى خفض الطاقة الاستيعابية للشوارع، مما يفضي إلى تضاؤل أعدادها تلقائيًا دون حاجة إلى إراقة الدماء.


إن تضافر هذه الإجراءات مع التوعية المجتمعية حول آداب التعامل مع حيوانات الشارع سيفضي حتمًا إلى صياغة ثقافة تعايش قوامها الوعي بدلًا من الذعر والفتك. إن السياسة المتبعة حاليًا لا تلطخ سمعة المدينة فحسب، بل هي تبديد للموارد في نهج أثبت فشله أينما حل. آن الأوان لبغداد أن تستلهم النماذج العلمية الرصينة التي تُطبق في جاراتها، وأن تستبدل فوهة البندقية بجرعة اللقاح.


المراجع